n7bk
01-12-2008, 09:09 PM
هو عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي التميمي
كنيته :
أبو بكر ، ولقبه الصِّدِّيق ، وكنية أبيه أبو قحافة .
كان أبو بكر رضي الله عنه يسمَّى أيضًا : عتيقًا ، وقيل إن سبب هذه التسمية أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له : " أنت عتيق من النار " ، وقيل : إنه سُمِّي كذلك لحسن وجهه وجماله ، ولقب بالصديق لتصديقه بكل ما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - وخاصة تصديقه لحديث الإسراء وقد أنكرته قريش كلها ، وأبو بكر الصديق أفضل الأمة مكانة ومنزلة بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو أول من أسلم من الرجال ، وهو رفيق الرسول -صلى الله عليه وسلم - في هجرته ، وخليفته على المسلمين .
هجرته :
لما أذن الله - عز وجل - لنبيه بالهجرة إلى المدينة أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه أن يهاجروا ، وجعل أبو بكر يستأذنه في الهجرة والنبي - صلى الله عليه وسلم - يمهله ويقول له : ( لا تعجل لعلّ الله يجعل لك صاحبًا ) ، حتى نزل جبريل - عليه السلام - على النبي - صلى الله عليه وسلم - وأخبره أن قريشًا قد خططت لقتله ، وأمره ألا يبيت ليلته بمكة وأن يخرج منها مهاجرًا ، فخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - وفتيان قريش وفرسانها محيطون ببيته ينتظرون خروجه ليقتلوه ، ولكن الله أخذ أبصارهم فلم يروه ، وتناول النبي - صلى الله عليه وسلم - حفنة من التراب فنثرها على رؤوسهم وهم لا يشعرون ، وذهب - صلى الله عليه وسلم - إلى بيت أبي بكر - وكان نائمًا فأيقظه - وأخبره أن الله قد أذن له في الهجرة ، تقول عائشة : " لقد رأيت أبا بكر عندها يبكي من الفرح " ، ثم خرجا فاختفيا في غار ثور ، واجتهد المشركون في طلبهما حتى شارفوا الغار ، وقال أبو بكر : لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - :
" ما ظنك باثنين الله ثالثهما ؟ ! "
وأقاما في الغار ثلاثة أيام ثم انطلقا ، وكان أبو بكر أعرف بالطريق ، وكان الناس يلقونهما فيسألون أبا بكر عن رفيقه فيقول : " إنه رجل يهديني الطريق " ، وبينما هما في طريقهما إذ أدركهما سراقة بن مالك ، وكان قد طمع في النياق المائة التي رصدتها قريش لمن يأتيها بمحمد ، ولما اقترب سراقة رآه أبو بكر فقال : يا رسول الله هذا الطلب قد لحقنا ، ودنا سراقة حتى ما كان بينه وبينهما إلا مقدار رمح أو رمحين فكرر أبو بكر مقولته على النبي - صلى الله عليه وسلم - وبكى ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( لِمَ تبكي؟ ) ، فقال أبو بكر : " يا رسول الله والله ما على نفسي أبكي ولكني أبكي عليك " ، فدعا النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال : " اللهم اكفناه بما شئت " ؛ فساخت قوائم الفرس ووقع سراقة وقال : " يا محمد إن هذا عملك فادع الله أن ينجيني مما أنا فيه فوالله لأعمّينَّ على مَن ورائي " ، فأجابه النبي -صلى الله عليه وسلم - إلى طلبه ، ودعاه إلى الإسلام ووعده إن أسلم بسواري كسرى ، واستمرا في طريقهما حتى بلغا المدينة ، واستقبل الصحابة مهاجرين وأنصار رسول الله وصاحبه بسرورٍ وفرحٍ عظيمين ، وانطلق الغلمان والجواري ينشدون الأنشودة الشهيرة : طلع البدر علينا من ثنيات الوداع ...
اضطهاده :
كان أبو بكر ذا مكانة ومنعة في قريش ، فلم ينله من أذاهم ما نال المستضعفين ، ولكن ذلك لم يمنع أبا بكر من أن يأخذ حظه وقسطه من الأذى ، فقد دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - الكعبة واجتمع المشركون عليه وسألوه عن آلهتهم وهو لا يكذب ، فأخبرهم فاجتمعوا عليه يضربونه ، وجاء الصريخ أبا بكر يقول له : أدرك صاحبك فأسرع أبو بكر إليه وجعل يخلصه من أيديهم وهو يقول : " ويلكم أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله " ، فتركوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم - وجعلوا يضربونه حتى حمل أبا بكر أهل بيته وقد غابت ملامحه من شدة الأذى .
أعماله :
لأبي بكر الصديق -رضي الله عنه - مواقف وأعمال عظيمة في نصرة الإسلام منها :
إنفاقه كثيرًا من أمواله في سبيل الله ؛ ولذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( ما نفعني مال قط مثلما نفعني مال أبي بكر ) ، فبكى أبو بكر وقال : " وهل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله " ( رواه أحمد والترمذي وابن ماجه ) ، وقد أعتق أبو بكر من ماله الخاص سبعة من العبيد أسلموا وكانوا يعذبون بسبب إسلامهم منهم بلال بن رباح وعامر بن فهيرة .
عندما مرض النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لمن حوله : " مروا أبا بكر فليصل بالناس " ، فقالت عائشة : يا رسول الله لو أمرت غيره، فقال : " لا ينبغي لقوم فيهم أبو بكر أن يؤمهم غيره " ، وقال عليّ بن أبي طالب : " قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر فصلى بالناس وإني لشاهد غير غائب ، وإني لصحيح غير مريض ولو شاء أن يقدمني لقدمني فرضينا لدنيانا من رضيه الله ورسوله لديننا " .
عندما قبض النبي - صلى الله عليه وسلم - فتن الناس حتى أن عمر بن الخطاب قال : " إن رسول الله لم يمت ولا يتكلم أحد بهذا إلا ضربته بسيفي هذا " ، فدخل أبو بكر وسمع مقالة عمر فوقف وقال قولته الشهيرة : " أيها الناس من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حيّ لا يموت ... " .
بعد مبايعة أبي بكر بالخلافة أصر على إنفاذ جيش أسامة الذي كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد جهّزه وولى عليه أسامة بن زيد ، وكان فريق من الصحابة منهم عمر قد ذهبوا لأبي بكر وقالوا له : إن العرب قد انتفضت عليك ، فلا تفرق المسلمين عنك فقال : " والذي نفسي بيده لو علمت أن السباع تأكلني بهذه القرية لأنفذت هذا البعث الذي أمر الرسول بإنفاذه ولا أحلّ لواءً عقده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيده " ، واتخذ الجيش سبيله إلى الشام تحت إمرة أسامة .
واجه أبو بكر في بدء خلافته محنة كبرى تمثلت في ردة كثير من قبائل العرب عن الإسلام بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ومنعت بعض القبائل زكاة أموالها ، وأمام هذه الردة جهز أبو بكر الجيش ، وقرّر حرب المرتدين جميعًا ، واعتزم أن يخرج بنفسه على قيادة الجيش غير أن علىّ بن أبى طالب لقيه وقد تجهز للخروج فقال له : " إلى أين يا خليفة رسول الله ؟
ضم سيفك ولا تفجعنا بنفسك ، فوالله لئن أصبنا بك ما يكون للإسلام بعدك نظام أبدًا ، فرجع أبو بكر ، وولى خالدًا على الجيش ، وسار خالد فقضى على ردة طليحة الأسديّ ومن معه من بني أسد وفزارة ، ثم توجه إلى اليمامة لحرب مسيلمة بن خسر ومن معه من بني حنيفة ، وكان يوم اليمامة يومًا خالدًا كتب الله فيه النصر لدينه وقتل مسيلمة وتفرق جنوده ومضى المسلمون يخمدون نار الفتنة والردة حتى أطفأها الله تعالى ، ثم استمر جيش خالد في زحفه حتى حقق نصرًا عظيمًا على الروم في معركة اليرموك .
لما أحس أبو بكر بقرب أجله شاور بعض كبار الصحابة سرًّا في أن يولي عمر بن الخطاب الخلافة من بعده فرحبوا جميعًا ، غير أن بعضهم اعترض على غلظة عمر فقال أبو بكر : " نعم الوالي عمر، أما إنه لا يقوى عليهم غيره ، وما هو بخير له أن يلي أمر أمة محمد، إن عمر رأى لينـًا فاشتد ، ولو كان واليًا للان لأهل اللين على أهل الريب " ، ثم أمر أبو بكر عثمان فكتب كتابًا باستخلاف عمر .
من أقواله :
كان أبو بكر إذا مدحه أحد قال : " اللهم أنت أعلم بي من نفسي وأنا أعلم بنفسي منهم، اللهم اجعلني خيرًا مما يظنون ، واغفر لي ما لا يعلمون ، ولا تؤاخذني بما يقولون " .
لما بايعه الناس خليفة للرسول صلى الله عليه وسلم خطب فيهم فقال : " أما بعد .. أيها الناس فإني قد ولِّيت عليكم - ولست بخيركم - فإن أحسنت فأعينوني ، وإن أخطأت فقوموني ، ولا تأخذكم في الله لومة لائم ، ألا إن الضعيف فيكم هو القوي عندنا حتى نأخذ له بحقه ، والقوي فيكم ضعيف عندنا حتى نأخذ الحق منه طائعًا أو كارهًا ، أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم " .
عندما امتنع بعض المسلمين عن أداء الزكاة قرّر أبو بكر قتالهم فذهب عمر إليه وقال له : " كيف تقاتلهم وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله فإن قالوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله " ، فقال أبو بكر : " والله لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة من حق الله ، والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقاتلتهم على منعه " ، قال عمر : " فلما رأيت أن الله شرح صدر أبي بكر للقتال عرفت أن الحق معه " .
من مواعظه :
" إن العبد إذا دخله العجب بشيء من زينة الدنيا مقته الله تعالى حتى يفارق تلك الزينة " .
" وكان يأخذ بطرف لسانه ويقول : " هذا الذي أوردني الموارد " .
" اعلموا عباد الله أن الله قد ارتهن بحقه أنفسكم ، وأخذ على ذلك مواثيقكم ، واشترى منكم القليل الفاني بالكثير الباقي ، وهذا كتاب الله فيكم لا تفنى عجائبه فصدقوا قوله ، وانصحوا كتابته ، واستضيئوا منه ليوم الظلمة " .
قبل موته دعا عمر بن الخطاب وقال له : " إني مستخلفك على أصحاب رسول الله ، يا عمر : إن لله حقـًّا في الليل لا يقبله في النهار ، وحقًّا في النهار لا يقبله في الليل ، وإنها لا تقبل نافلة حتى تؤدى الفريضة ، وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه باتباعهم الحق وثقله عليه ، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق غدًا أن يكون ثقيلاً ، وإنما خفت موازين من خفت موازينهم يوم القيامة باتباعهم الباطل ، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يكون خفيفـًا ، يا عمر إنما نزلت آية الرخاء مع آية الشدة وآية الشدة مع آية الرخاء ليكون المؤمن راغبًا راهبًا ، فلا ترغب رغبة فتتمنى على الله ما ليس لك ، ولا ترهب رهبة تلقي فيها ما بيديك ، يا عمر إنما ذكر الله أهل النار بأسوأ أعمالهم ورد عليهم ما كان من حسن فإذا ذكرتهم قلت : إني لأرجو ألا أكون من هؤلاء ، وإنما ذكر الله أهل الجنة بأحسن أعمالهم لأنه تجاوز لهم ما كان من سيئ فإذا ذكرتهم قلت : أي عمل من أعمالهم أعمل ؟
فإن حفظت وصيتي فلا يكن غائب أحب إليك من الموت وهو نازل بك ، وإن ضيعت وصيتي فلا يكن غائب أكره إليك من الموت ولست تعجزه " .
وفاته :
توفِّي أبو بكر - رضي الله عنه - في شهر جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة قيل : يوم الجمعة لسبع بقين من جمادى ، وقيل : مساء ليلة الثلاثاء لثمانٍ بقين من جمادى الآخرة ، وصلّى عليه عمر بن الخطاب ، وكان أبو بكر قد ولد بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - بسنتين وأشهر، ومات بعده بسنتين وأشهر مستوفيًا ثلاثة وستين عامًا وهو نفس العمر الذي مات عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - ، واستمرت خلافة أبي بكر سنتين وثلاثة أشهر وأيامًا .
وقال عمر في حقه : " رحمة الله على أبي بكر لقد أتعب من بعده تعبًا شديدًا " .
رثاه علي بن أبى طالب وهو يبكي بكاء عظيمًا يوم موته بكلام طويل منه : " رحمك الله يا أبا بكر ، كنت إلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنيسه ومكان راحته ، وموضع سره ومشاورته ، وكنت أول القوم إسلامًا ، وأخلصهم إيمانـًا ، وأحسنهم صحبة ، وأكثرهم مناقب وأفضلهم سوابق ، وأشرفهم منزلة ، وأرفعهم درجة ، وأقربهم وسيلة ، وأشبههم برسول الله هديًا وسمتـًا ... سمّاك الله في تنزيله صدِّيقـًا فقال : " والذي جاء بالصدق وصدق به ... " ، فالذي جاء بالصدق محمد - صلى الله عليه وسلم - والذي صدق به أبو بكر ، واسيته حين بخل الناس ، وقمت معه على المكاره حين قعدوا، وصحبته في الشدة أكرم صحبة ، وخلفته في دينه أحسن الخلافة ، وقمت بالأمر كما لم يقم به خليفة نبي ... " .
كنيته :
أبو بكر ، ولقبه الصِّدِّيق ، وكنية أبيه أبو قحافة .
كان أبو بكر رضي الله عنه يسمَّى أيضًا : عتيقًا ، وقيل إن سبب هذه التسمية أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له : " أنت عتيق من النار " ، وقيل : إنه سُمِّي كذلك لحسن وجهه وجماله ، ولقب بالصديق لتصديقه بكل ما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - وخاصة تصديقه لحديث الإسراء وقد أنكرته قريش كلها ، وأبو بكر الصديق أفضل الأمة مكانة ومنزلة بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو أول من أسلم من الرجال ، وهو رفيق الرسول -صلى الله عليه وسلم - في هجرته ، وخليفته على المسلمين .
هجرته :
لما أذن الله - عز وجل - لنبيه بالهجرة إلى المدينة أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه أن يهاجروا ، وجعل أبو بكر يستأذنه في الهجرة والنبي - صلى الله عليه وسلم - يمهله ويقول له : ( لا تعجل لعلّ الله يجعل لك صاحبًا ) ، حتى نزل جبريل - عليه السلام - على النبي - صلى الله عليه وسلم - وأخبره أن قريشًا قد خططت لقتله ، وأمره ألا يبيت ليلته بمكة وأن يخرج منها مهاجرًا ، فخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - وفتيان قريش وفرسانها محيطون ببيته ينتظرون خروجه ليقتلوه ، ولكن الله أخذ أبصارهم فلم يروه ، وتناول النبي - صلى الله عليه وسلم - حفنة من التراب فنثرها على رؤوسهم وهم لا يشعرون ، وذهب - صلى الله عليه وسلم - إلى بيت أبي بكر - وكان نائمًا فأيقظه - وأخبره أن الله قد أذن له في الهجرة ، تقول عائشة : " لقد رأيت أبا بكر عندها يبكي من الفرح " ، ثم خرجا فاختفيا في غار ثور ، واجتهد المشركون في طلبهما حتى شارفوا الغار ، وقال أبو بكر : لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - :
" ما ظنك باثنين الله ثالثهما ؟ ! "
وأقاما في الغار ثلاثة أيام ثم انطلقا ، وكان أبو بكر أعرف بالطريق ، وكان الناس يلقونهما فيسألون أبا بكر عن رفيقه فيقول : " إنه رجل يهديني الطريق " ، وبينما هما في طريقهما إذ أدركهما سراقة بن مالك ، وكان قد طمع في النياق المائة التي رصدتها قريش لمن يأتيها بمحمد ، ولما اقترب سراقة رآه أبو بكر فقال : يا رسول الله هذا الطلب قد لحقنا ، ودنا سراقة حتى ما كان بينه وبينهما إلا مقدار رمح أو رمحين فكرر أبو بكر مقولته على النبي - صلى الله عليه وسلم - وبكى ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( لِمَ تبكي؟ ) ، فقال أبو بكر : " يا رسول الله والله ما على نفسي أبكي ولكني أبكي عليك " ، فدعا النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال : " اللهم اكفناه بما شئت " ؛ فساخت قوائم الفرس ووقع سراقة وقال : " يا محمد إن هذا عملك فادع الله أن ينجيني مما أنا فيه فوالله لأعمّينَّ على مَن ورائي " ، فأجابه النبي -صلى الله عليه وسلم - إلى طلبه ، ودعاه إلى الإسلام ووعده إن أسلم بسواري كسرى ، واستمرا في طريقهما حتى بلغا المدينة ، واستقبل الصحابة مهاجرين وأنصار رسول الله وصاحبه بسرورٍ وفرحٍ عظيمين ، وانطلق الغلمان والجواري ينشدون الأنشودة الشهيرة : طلع البدر علينا من ثنيات الوداع ...
اضطهاده :
كان أبو بكر ذا مكانة ومنعة في قريش ، فلم ينله من أذاهم ما نال المستضعفين ، ولكن ذلك لم يمنع أبا بكر من أن يأخذ حظه وقسطه من الأذى ، فقد دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - الكعبة واجتمع المشركون عليه وسألوه عن آلهتهم وهو لا يكذب ، فأخبرهم فاجتمعوا عليه يضربونه ، وجاء الصريخ أبا بكر يقول له : أدرك صاحبك فأسرع أبو بكر إليه وجعل يخلصه من أيديهم وهو يقول : " ويلكم أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله " ، فتركوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم - وجعلوا يضربونه حتى حمل أبا بكر أهل بيته وقد غابت ملامحه من شدة الأذى .
أعماله :
لأبي بكر الصديق -رضي الله عنه - مواقف وأعمال عظيمة في نصرة الإسلام منها :
إنفاقه كثيرًا من أمواله في سبيل الله ؛ ولذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( ما نفعني مال قط مثلما نفعني مال أبي بكر ) ، فبكى أبو بكر وقال : " وهل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله " ( رواه أحمد والترمذي وابن ماجه ) ، وقد أعتق أبو بكر من ماله الخاص سبعة من العبيد أسلموا وكانوا يعذبون بسبب إسلامهم منهم بلال بن رباح وعامر بن فهيرة .
عندما مرض النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لمن حوله : " مروا أبا بكر فليصل بالناس " ، فقالت عائشة : يا رسول الله لو أمرت غيره، فقال : " لا ينبغي لقوم فيهم أبو بكر أن يؤمهم غيره " ، وقال عليّ بن أبي طالب : " قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر فصلى بالناس وإني لشاهد غير غائب ، وإني لصحيح غير مريض ولو شاء أن يقدمني لقدمني فرضينا لدنيانا من رضيه الله ورسوله لديننا " .
عندما قبض النبي - صلى الله عليه وسلم - فتن الناس حتى أن عمر بن الخطاب قال : " إن رسول الله لم يمت ولا يتكلم أحد بهذا إلا ضربته بسيفي هذا " ، فدخل أبو بكر وسمع مقالة عمر فوقف وقال قولته الشهيرة : " أيها الناس من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حيّ لا يموت ... " .
بعد مبايعة أبي بكر بالخلافة أصر على إنفاذ جيش أسامة الذي كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد جهّزه وولى عليه أسامة بن زيد ، وكان فريق من الصحابة منهم عمر قد ذهبوا لأبي بكر وقالوا له : إن العرب قد انتفضت عليك ، فلا تفرق المسلمين عنك فقال : " والذي نفسي بيده لو علمت أن السباع تأكلني بهذه القرية لأنفذت هذا البعث الذي أمر الرسول بإنفاذه ولا أحلّ لواءً عقده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيده " ، واتخذ الجيش سبيله إلى الشام تحت إمرة أسامة .
واجه أبو بكر في بدء خلافته محنة كبرى تمثلت في ردة كثير من قبائل العرب عن الإسلام بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ومنعت بعض القبائل زكاة أموالها ، وأمام هذه الردة جهز أبو بكر الجيش ، وقرّر حرب المرتدين جميعًا ، واعتزم أن يخرج بنفسه على قيادة الجيش غير أن علىّ بن أبى طالب لقيه وقد تجهز للخروج فقال له : " إلى أين يا خليفة رسول الله ؟
ضم سيفك ولا تفجعنا بنفسك ، فوالله لئن أصبنا بك ما يكون للإسلام بعدك نظام أبدًا ، فرجع أبو بكر ، وولى خالدًا على الجيش ، وسار خالد فقضى على ردة طليحة الأسديّ ومن معه من بني أسد وفزارة ، ثم توجه إلى اليمامة لحرب مسيلمة بن خسر ومن معه من بني حنيفة ، وكان يوم اليمامة يومًا خالدًا كتب الله فيه النصر لدينه وقتل مسيلمة وتفرق جنوده ومضى المسلمون يخمدون نار الفتنة والردة حتى أطفأها الله تعالى ، ثم استمر جيش خالد في زحفه حتى حقق نصرًا عظيمًا على الروم في معركة اليرموك .
لما أحس أبو بكر بقرب أجله شاور بعض كبار الصحابة سرًّا في أن يولي عمر بن الخطاب الخلافة من بعده فرحبوا جميعًا ، غير أن بعضهم اعترض على غلظة عمر فقال أبو بكر : " نعم الوالي عمر، أما إنه لا يقوى عليهم غيره ، وما هو بخير له أن يلي أمر أمة محمد، إن عمر رأى لينـًا فاشتد ، ولو كان واليًا للان لأهل اللين على أهل الريب " ، ثم أمر أبو بكر عثمان فكتب كتابًا باستخلاف عمر .
من أقواله :
كان أبو بكر إذا مدحه أحد قال : " اللهم أنت أعلم بي من نفسي وأنا أعلم بنفسي منهم، اللهم اجعلني خيرًا مما يظنون ، واغفر لي ما لا يعلمون ، ولا تؤاخذني بما يقولون " .
لما بايعه الناس خليفة للرسول صلى الله عليه وسلم خطب فيهم فقال : " أما بعد .. أيها الناس فإني قد ولِّيت عليكم - ولست بخيركم - فإن أحسنت فأعينوني ، وإن أخطأت فقوموني ، ولا تأخذكم في الله لومة لائم ، ألا إن الضعيف فيكم هو القوي عندنا حتى نأخذ له بحقه ، والقوي فيكم ضعيف عندنا حتى نأخذ الحق منه طائعًا أو كارهًا ، أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم " .
عندما امتنع بعض المسلمين عن أداء الزكاة قرّر أبو بكر قتالهم فذهب عمر إليه وقال له : " كيف تقاتلهم وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله فإن قالوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله " ، فقال أبو بكر : " والله لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة من حق الله ، والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقاتلتهم على منعه " ، قال عمر : " فلما رأيت أن الله شرح صدر أبي بكر للقتال عرفت أن الحق معه " .
من مواعظه :
" إن العبد إذا دخله العجب بشيء من زينة الدنيا مقته الله تعالى حتى يفارق تلك الزينة " .
" وكان يأخذ بطرف لسانه ويقول : " هذا الذي أوردني الموارد " .
" اعلموا عباد الله أن الله قد ارتهن بحقه أنفسكم ، وأخذ على ذلك مواثيقكم ، واشترى منكم القليل الفاني بالكثير الباقي ، وهذا كتاب الله فيكم لا تفنى عجائبه فصدقوا قوله ، وانصحوا كتابته ، واستضيئوا منه ليوم الظلمة " .
قبل موته دعا عمر بن الخطاب وقال له : " إني مستخلفك على أصحاب رسول الله ، يا عمر : إن لله حقـًّا في الليل لا يقبله في النهار ، وحقًّا في النهار لا يقبله في الليل ، وإنها لا تقبل نافلة حتى تؤدى الفريضة ، وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه باتباعهم الحق وثقله عليه ، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق غدًا أن يكون ثقيلاً ، وإنما خفت موازين من خفت موازينهم يوم القيامة باتباعهم الباطل ، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يكون خفيفـًا ، يا عمر إنما نزلت آية الرخاء مع آية الشدة وآية الشدة مع آية الرخاء ليكون المؤمن راغبًا راهبًا ، فلا ترغب رغبة فتتمنى على الله ما ليس لك ، ولا ترهب رهبة تلقي فيها ما بيديك ، يا عمر إنما ذكر الله أهل النار بأسوأ أعمالهم ورد عليهم ما كان من حسن فإذا ذكرتهم قلت : إني لأرجو ألا أكون من هؤلاء ، وإنما ذكر الله أهل الجنة بأحسن أعمالهم لأنه تجاوز لهم ما كان من سيئ فإذا ذكرتهم قلت : أي عمل من أعمالهم أعمل ؟
فإن حفظت وصيتي فلا يكن غائب أحب إليك من الموت وهو نازل بك ، وإن ضيعت وصيتي فلا يكن غائب أكره إليك من الموت ولست تعجزه " .
وفاته :
توفِّي أبو بكر - رضي الله عنه - في شهر جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة قيل : يوم الجمعة لسبع بقين من جمادى ، وقيل : مساء ليلة الثلاثاء لثمانٍ بقين من جمادى الآخرة ، وصلّى عليه عمر بن الخطاب ، وكان أبو بكر قد ولد بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - بسنتين وأشهر، ومات بعده بسنتين وأشهر مستوفيًا ثلاثة وستين عامًا وهو نفس العمر الذي مات عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - ، واستمرت خلافة أبي بكر سنتين وثلاثة أشهر وأيامًا .
وقال عمر في حقه : " رحمة الله على أبي بكر لقد أتعب من بعده تعبًا شديدًا " .
رثاه علي بن أبى طالب وهو يبكي بكاء عظيمًا يوم موته بكلام طويل منه : " رحمك الله يا أبا بكر ، كنت إلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنيسه ومكان راحته ، وموضع سره ومشاورته ، وكنت أول القوم إسلامًا ، وأخلصهم إيمانـًا ، وأحسنهم صحبة ، وأكثرهم مناقب وأفضلهم سوابق ، وأشرفهم منزلة ، وأرفعهم درجة ، وأقربهم وسيلة ، وأشبههم برسول الله هديًا وسمتـًا ... سمّاك الله في تنزيله صدِّيقـًا فقال : " والذي جاء بالصدق وصدق به ... " ، فالذي جاء بالصدق محمد - صلى الله عليه وسلم - والذي صدق به أبو بكر ، واسيته حين بخل الناس ، وقمت معه على المكاره حين قعدوا، وصحبته في الشدة أكرم صحبة ، وخلفته في دينه أحسن الخلافة ، وقمت بالأمر كما لم يقم به خليفة نبي ... " .