مليون ونصف المليون فلسطيني يتعرضون لعملية تجويع منذ تسعة أشهر، والدانمارك تعيد نشر الرسوم الكاريكاتيرية التي تسيء لنبي الإسلام في 17 صحيفة، وتقوم المكتبة المركزية بشراء أصول تلك الرسوم بمبالغ ضخمة لأنها جزء من التراث الدانماركي، هل هناك علاقة بين تلك الأحداث؟!
مجرد طرح السؤال سيثير المتغربين العرب الذي يتهمون المسلمين دائماً بنظرية المؤامرة، وأن تلك النظرية المتخلفة تشكل فكرهم، لكن دعونا نتأمل الأحداث بقدر من الصبر، وبهدف زيادة وعي الأمة، والبحث عن الحقائق والربط بينها، وأعتقد أنه قد آن الأوان لنشكل نظرة شاملة لأحداث العالم تساهم في زيادة فهم الناس لتلك الأحداث، وهذه وظيفة وسائل الإعلام التي يجب أن تتحرر من أسر تغطيتها النمطية البسيطة، وتتجه لتقديم تغطية شاملة ومتكاملة للأحداث.
صعود اليمين المحافظ:
ومهما كانت اتهامات المتغربين فإننا نؤكد على حقنا في طرح التساؤلات، والبحث عن الحقائق، وزيادة وعي جماهيرنا، وتلك وظيفتنا، ولابد أن ندافع عن حريتنا في التفكير والتعبير والتحليل.
إننا نستطيع أن نؤكد أن الحدثين يرتبطان بصعود اليمين المسيحي المحافظ في أمريكا وأوروبا، وجهوده لتعبئة القوى الاستعمارية ضد الإسلام باعتباره العدو الوحيد.
وفي الحرب ضد الإسلام يتم توزيع الأدوار، وتشكيل ثقافة الكراهية للإسلام في أوروبا وأمريكا، والعمل على زيادة تأييد الشعوب لإسرائيل، وأن الحضارة الغربية هي حضارة يهودية مسيحية لا مكان للمسلمين فيها، وأستطيع أن أقدم الكثير من الأدلة العلمية على أن اليمين المسيحي المحافظ يعمل على إشعال نار الحرب ضد الإسلام، وينشر ثقافة الكراهية ضده، وفي هذا الإطار تأتي الجهود الأمريكية المتواصلة لإحكام الحصار على غزة، وإعادة نشر الرسوم الدانماركية.
إننا لا نحتاج لنظرية المؤامرة تلك التي يعتبرها المتغربون نظرية متخلفة، فكل شيء أصبح واضحاً، وهذا اليمين المسيحي المحافظ لا يخفي مخططاته لدفع العالم إلى الصدام والحرب، ومنع أية فرصة للحوار أو التعايش السلمي، أو الفهم المتبادل بين أصحاب الديانات الثلاث، أو حتى التوصل إلى صيغة لاحترام المقدسات، ومنع الإهانات، وتحت تأثير اليمين المسيحي المحافظ لم يعد الغرب يتقبل الإسلام كطرف آخر يمكن التحاور معه، ولذلك فقد فشلت كل محاولات الحوار.
السيطرة على وسائل الإعلام:
هناك حقيقة يمكن أن نبدأ منها لزيادة فهمنا للأحداث والارتباط بينها، وأعتقد أن تلك الحقيقة واضحة لكل من درس الإعلام العالمي هي: أن اليمين المسيحي المحافظ يتمتع بسيطرة شبه احتكارية على وسائل الإعلام، وأنه يستخدمها لإدارة الحرب الإعلامية، ولذلك فقد تزايد استخدام الرموز الدينية المسيحية عقب سقوط الاتحاد السوفييتي كوسيلة لتوحيد الشعوب الغربية، وإيجاد رابطة مع دول أوروبا الشرقية.
كانت الرموز المسيحية هي الأداة التي استخدمها اليمين المسيحي المحافظ في عملية إعادة تشكيل للثقافة الغربية بحيث توحد الشعوب في أمريكا وأوروبا، وتشكل اتجاهات هذه الشعوب نحو معاداة الإسلام.
وكانت قضية كتاب سلمان رشدي، والرسوم الدانماركية، وهجوم البابا على الإسلام؛ جزءاً من خطاب أصبح يسيطر على وسائل الإعلام الغربية، ويشكل وسيلة لتعبئة تلك الشعوب.
ولقد ارتبط ذلك بالتأكيد على الحضارة الغربية الحديثة بكل ما حققته من تقدم هي حضارة يهودية مسيحية، والتركيز على الدور اليهودي في تشكيل تلك الحضارة، وأن شعوب الغرب لابد أن تؤيد إسرائيل وتدعمها بشكل كامل لأن إقامة دولة إسرائيل مقدمة لعودة المسيح ليحكم العالم في الألفية السعيدة، واليمين المسيحي المحافظ استخدم الدانمارك وهي دولة أوروبية ضعيفة للقيام بدور السفيه في المعركة ضد الإسلام، حيث تم نشر تلك الرسوم في المرة الأولى، ثم إعادة نشرها لتأجيج حدة الصراع، والبحث عن وسائل لتهجير المسلمين من أوروبا وأمريكا، وطردهم إلى بلادهم الأصلية.
* ولكن أين غزة؟
إلى هنا والأمور تبدو منطقية، ويمكن تقديم الكثير من الأدلة على صحة الربط بين إثارة الكراهية للإسلام وصعود اليمين المحافظ، ولكن ما صلة حصار غزة بذلك؟!
تحتل إسرائيل مكانة مهمة داخل مشروع اليمين المسيحي المحافظة، فهي تشكل البداية لعودة المسيح، ومعركة أرمجيدون.
ولقد فوجئ الجميع بفوز حماس في الانتخابات الفلسطينية، وهي حركة تحرر وطني إسلامية قدمت الكثير من التضحيات منذ بداية الانتفاضة الأولى عام 1987م، وهي صاحبة مشروع حضاري يعتمد على المقاومة من أجل تحرير فلسطين التي تحتل مكانة مهمة لكل مسلم.
وفوز حماس هنا يعني أنها تقدم نموذجاً لحركات التحرر الوطني في العالم، وتثبت أن الإسلام يمكن أن يقود كفاح الشعوب المستضعفة خلال القرن الحادي والعشرين للتحرر من الاستعمار الغربي، وإقامة نظم مستقلة.
وفوز حماس ونجاحها في الحكم يعني إمكانية توحد المسلمين حول مشروعها المقاوم لتحرير فلسطين، وللتحرر من التبعية والاستبداد، والاحتلال والاستغلال، لذلك كان من الطبيعي أن يستخدم اليمين المسيحي المحافظ كل قوته وتأثيره على دوائر صنع القرار في أمريكا وأوروبا لفرض الحصار على حماس خاصة في غزة، بالإضافة إلى قيام أمريكا بالضغط على النظم العربية لإحكام الحصار، وتجويع الفلسطينيين بفرض إجبارهم على التخلي عن حماس ومشروعها المقاوم.
حصار غزة هو جزء من معركة الغرب ضد الإسلام التي يقودها اليمين المسيحي المحافظ، فهذا الحصار موجه للمشروع الحضاري الإسلامي الذي تمثله حماس.
والرسوم الدانماركية هي جزء من خطة اليمين المسيحي المحافظ لإشعال المعركة مع الإسلام، وذلك بالتركيز على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأعتقد بأن الغرب يعرف جيداً مكانته بالنسبة للمسلمين، وأن نشر تلك الرسوم سوف يشعل الصراع.
ضعف النظم العربية:
هناك جانب آخر للربط بين حصار غزة والرسوم الدانماركية هو أن أمريكا قد استغلت ضعف النظم العربية وتبعيتها لها في إحكام الحصار على غزة، وفي إعاقة كفاح الجماهير العربية السلمي ضد الرسوم المسيئة للرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم -، ولذلك فاليمين المسيحي المحافظ انتهز الفرصة التاريخية لتحقيق أهدافه في حصار غزة، وفي تأجيج الصراع ضد الإسلام، والعدوان على عقيدة المسلمين ومشاعرهم ومقدساتهم.
إن حصار غزة ونشر الرسوم الدانماركية عدوان ظالم وغاشم ضد الإسلام، ولذلك يجب أن نربط بين الحدثين بأسلوب جديد هو زيادة وعي الجماهير الإسلامية بالحقائق لكي تشكل مقاومتها لذلك العدوان الذي تحالفت فيه إسرائيل مع اليمين المسيحي المحافظ.
لذلك أدعو الجماهير في العالم الإسلامي للرد على إعادة نشر الرسوم التي تسيء إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - بكسر حصار غزة، والربط في المظاهرات بين الدعوة لمقاطعة المنتجات الغربية وتقديم ثمنها لأهل غزة الصابرين الذين يقدمون للبشرية إسهاماً حضارياً إسلامياً هو مشروع المقاومة للتحرر الوطني.
وإذا كان الغرب يحاصر غزة، ويقوم بتجويع أهلها بهدف كسر المشروع الحضاري الإسلامي؛ فإننا يجب أن نقاطع المنتجات الدانماركية كمقدمة لمقاطعة المنتجات الغربية كلها، ولتكن تلك المقاطعة بداية عمل متواصل لتحقيق الاكتفاء الذاتي، وهو أساس النهضة الإسلامية، أيها المسلم أنصر رسولك بكسر الحصار على غزة.